عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
74
معارج التفكر ودقائق التدبر
عنه عقلا توحيد إلهيّته جلّ جلاله لا محالة ، فلا شريك له في ربوبيّته ، ولا شريك له في إلهيّته . وهذا الوجه قد دلّت عليه الآية ( 185 ) الآتي تدبّرها بعون اللّه وتوفيقه وتسديده . قول اللّه تعالى : أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ( 185 ) : أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي : أي : أو لم ينظروا نظر تفكّر وتدبّر وبحث علمي ، وهذه الجملة معطوفة على جملة : أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في الآية السّابقة ، وقدّم حرف الاستفهام على حرف العطف فيهما لأنّ له الصدارة في الجمل ، والمراد : فلينظروا وليتفكّروا . مَلَكُوتِ : صيغة مشتقّة من « الملك » للتعظيم ، والتفخيم ، والمراد بالملك كلّ ما هو خاضع لسلطان اللّه الخالق الرّبّ الملك المتصرّف على ما يشاء بحكمته ، في هذا الكون الكبير الفسيح الّذي لا تحيط به مدارك العقول . فالمعنى : إذا لم يكونوا قد نظروا ، فلينظروا نظر تأمّل وتفكّر ، في هذا الملك العظيم المنضبط بإحكام وإتقان ودقّة متناهية ، في السّماوات والأرض ، وفي كلّ شيء مخلوق في هذا الكون ، ليعلموا من آياته أنّ الرّبّ المتصرّف بشؤونه واحد في ربوبيّته ، لا يشاركه فيها شريك ما ، وأنّه هو مالك كلّ شيء ومليكه ، فلا شريك له في ربوبيّته ، ويلزم عن هذا عقلا أنّه لا شريك له في إلهيّته . فإذا تحقّقوا من هذا علموا أنّ صاحبهم محمّدا يدعوهم إلى الحقّ ، وإلى